عبد الكريم الخطيب
1287
التفسير القرآنى للقرآن
ولا بد من الإشارة إلى أن التعبير عن قيومية اللّه سبحانه وتعالى ، وسلطانه القائم في الوجود - بالنور . . إنما هو لما في النور من لطف ، بحيث لا يتجسد أبدا ، بل أنه في هذا على عكس الأشياء كلها ، فالأشياء اللطيفة كالزجاج الرقيق مثلا ، كلما علت طبقة منه طبقة أخرى زادت كثافته ، ثم لا تزال شفافيته نقل كلما تكاثرت طبقاته حتى يصبح جسما معتما . . أما النور ، فإنه كلما تضاعفت أشعته ، ازداد شفافية وقدرة على كشف المرئيات التي يقع عليها . . فنور شمعة في حجرة ، ونور آلاف منها في نفس الحجرة ، هو هو من حيث أنه لا يشغل حيّزا فيها ، ولا يحدث خلخلة في الهواء الموجود بها ، وإن كان يزيد الموجودات وضوحا وانكشافا . ومن جهة أخرى ، فإن النور - مع شفافيته ، ومع زيادة هذه الشفافية كلما قوى وكثر - هو أكثر ظواهر الطبيعة سرعة ، بحيث لا يكاد يقيد بقيد الزمن . . فالشعاعة من الضوء تنتقل من طرف الأرض إلى طرفها الآخر في لمحة بصر ، لا تتجاوز جزءا من الثانية . . . فالنور - كما ترى - لا يتحيز في مكان ، ولا يكاد يتقيّد بزمان . واللّه سبحانه وتعالى لا يحويه مكان ، ولا يحدّه زمان . . فإذا كان اللّه نور السماوات والأرض ، كان معنى هذا أنه - سبحانه - وهو القيوم على الوجود - ليس حالّا في الموجودات ، ولا متحيزا فيها ، ولا محجوزا في مكان منها دون مكان . . وأقرب مثل لهذا في تصورنا ، هو النور المنبعث من مصباح في زجاجة درية ، داخل مشكاة ، هي أشبه بالوجود الذي يستضىء بنور اللّه . . فهذه المشكاة ، يكشف النور وجودها ، دون أن يشغل حيزا فيها ، ودون أن تحيزه هي داخلها ، لأنها شفافة لا تحجب النور